عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
598
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
الإملال به ، وقد أشرت في بعض المراثي إلى أنّ نصيبي من الرّحمة كان أوفر ، وأنّ حظّها من الرّضا بقضاء اللّه كان أكثر ، وهي كما قال حسّان [ في « ديوانه » 377 من الطّويل ] : حصان رزان ما تزنّ بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل « 1 » راضية بعيشها ، قانعة برزقها ، مصونة في قصرها ، من اللّاء يقول في مثلهنّ الفرزدق [ في « ديوانه » 1 / 407 من الكامل ] : رجح ولسن من اللّواتي بالضّحى * لذيولهنّ على الطّريق غبار « 2 » وكما يقول قيس بن الأسلت [ من الطّويل ] : ويكرمنها جاراتها فيزرنها * وتعتلّ عن إتيانهنّ فتعذر وليس بها أن تستهين بجارة * ولكنّها من ذاك تحيا وتخفر وقول عليّة بنت المهديّ [ من الطّويل ] : فما خرّقت خفّا ولم تبل جوربا * وأمّا سراويلاتها فتمزّق أي : لشدّة لزامها ؛ من فرط الصّون والعفاف . قائمة بحقّ ربّها ، صالحة في دينها على جانب واسع من المعرفة والأدب ، لا يعرض لها حال إلّا تمثّلت ببعض بيت ؛ إذ كان عندها مئات الأطراف من الأبيات ،
--> ( 1 ) الحصان : العفيفة . الرّزان : المرأة الّتي عليها الثّبات والوقار . ما تزنّ : لا تتّهم . غرثى : جائعة . الغوافل : النّساء الغافلات . والمعنى : لا تأكل لحوم النّاس لأنّها لا تتكلّم في أعراضهم . ( 2 ) رجح : صاحبات عقول راجحة . وظاهر معنى البيت - كما في « المثل السائر » ( 2 / 62 - 63 ) - أن هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن . . فلا يظهر لذيولهن غبار على الطريق . وليس المراد ذلك ، بل المراد أنهن لا يمشين على الطريق أصلا ؛ أي : إنهن مخبآت لا يخرجن من بيوتهن ، فلا يكون إذا لذيولهن على الطريق غبار . اه بلفظه من « المثل السائر » . وهذا من المبحث البلاغي ( نفي الشيء بإيجابه ) ؛ كقولهم عن مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : ( لا تنثى فلتأته ) وظاهر هذا الكلام أنه تكون في مجلس الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم هفوات . . لكنها لا تنثى - أي : تذاع - وليس ذلك مرادا البتة ، بل المراد : أنه لا هفوات فيه أصلا . ومثله بيتنا هذا كما في نفس المرجع واللّه أعلم .